ابن كثير
14
معجزات النبي ص
وبلاغته ، ونظمه ، وتراكيبه ، وأساليبه ، وما تضمنه من الأخبار الماضية والمستقبلة ، وما اشتمل عليه من الأحكام المحكمة الجلية ، والتحدي ببلاغة ألفاظه يخص فصحاء العرب ، والتحدي بما اشتمل عليه من المعاني الصحيحة الكاملة - وهي أعظم في التحدي عند كثير من العلماء - يعم جميع ( أهل الأرض ) من الملتين أهل الكتاب وغيرهم من عقلاء اليونان والهند والفرس والقبط وغيرهم من أصناف بني آدم في سائر الأقطار والأمصار . وأما من زعم من المتكلمين أن الإعجاز إنما هو من صرف دواعي الكفرة عن معارضته مع إنكار ذلك ، أو هو سلب قدرتهم على ذلك ، فقول باطل وهو مفرع على اعتقادهم أن القرآن مخلوق ، خلقه اللّه في بعض الأجرام ، ولا فرق عندهم بين مخلوق ومخلوق ، وقولهم : هذا كفر وباطل وليس مطابقا لما في نفس الأمر ، بل القرآن كلام اللّه غير مخلوق ، تكلم به كما شاء تعالى وتقدس وتنزه عما يقولون علوا كبيرا ، فالخلق كلهم عاجزون حقيقة وفي نفس الأمر عن الإتيان بمثله ولو تعاضدوا وتناصروا على ذلك ، بل لا تقدر الرسل الذين هم أفصح الخلق وأعظم الخلق وأكملهم ، أن يتكلموا بمثل كلام اللّه وهذا القرآن ( الّذي ) يبلغه الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن اللّه ، أسلوب كلامه لا يشبه أساليب كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأساليب كلامه عليه السلام المحفوظة عنه بالسند الصحيح إليه لا يقدر أحد من الصحابة ولا من بعدهم أن يتكلم بمثل أساليبه في فصاحته وبلاغته ، فيما يرويه من المعاني بألفاظه الشريفة ، بل وأسلوب كلام الصحابة أعلى من أساليب كلام التابعين ، وهلم جرا إلى زماننا ، ( و ) علماء السلف أفصح وأعلم ، وأقل تكلفا ، فيما يرونه من المعاني بألفاظهم من علماء الخلف وهذا يشهده من له ذوق بكلام الناس كما يدرك تفاوت ما بين أشعار العرب في زمن الجاهلية ، وبين أشعار المولدين الذين كانوا بعد ذلك ، ولهذا جاء الحديث الثابت في هذا المعنى وهو فيما رواه الإمام أحمد قائلا : ( حدثنا ) حجاج ، حدثنا ليث ، حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطى من الآيات